
البشام الإخباري /حين تعجز الفكرة عن الوقوف على قدميها، تبحث عن عكازٍ من ضجيج. وحين يضيق قاموس الحجة، تتسع مساحة الشتيمة. وهنا لا يكون الخلاف السياسي قد بلغ ذروته، بل يكون الخطاب قد هبط إلى أدنى درجاته.
إن أخطر ما يهدد الحياة الديمقراطية ليس وجود معارضة قوية، وإنما وجود خطاب يخلط بين الجرأة والوقاحة، وبين حرية التعبير وحرية الإساءة. فالنائب الذي يقف تحت قبة البرلمان لا يحمل لسانه باسمه الشخصي فحسب، بل يحمل هيبة مؤسسة دستورية، وأمانة شعب، وصورة وطن. فإذا تحولت المنصة إلى مسرح للتجريح، فقدت الكلمات قيمتها، وفقدت السياسة وقارها.
قال المتنبي:
وإذا أتتك مذمتي من ناقصٍ
فهي الشهادةُ لي بأني كاملُ.
وقال الإمام الشافعي:
لسانُك لا تذكر به عورةَ امرئٍ
فكلك عوراتٌ وللناسِ ألسنُ.
ويقول شاعر آخر
إذا نَقَصَتْ عقولُ القومِ طالَ لسانُهُمُ
وإن كَمُلَتْ أخلاقُهُم قلَّ الكلامُ.
وليسَ يُزيِّنُ الإنسانَ صوتٌ مُجلجلٌ
ولكنْ يُزيِّنُ الإنسانَ حُسنُ الخِصامِ
إن المعارضة ليست سباقاً في اختراع الأوصاف الجارحة، ولا مزاداً للمفردات الخشنة. إنها مسؤولية دستورية، تقوم على الرقابة، وتقديم البديل، ومحاسبة الحكومة بالأرقام والوثائق والقانون. أما الذين يظنون أن الشتيمة برنامج سياسي، وأن الإساءة بطولة إعلامية، فإنهم لا يهدمون الحكومة، بل يهدمون ثقة الناس في العمل السياسي كله.
ومن هنا، فإن تطبيق القانون على كل من يتجاوز حدود النقد إلى القذف أو الإهانة، ليس انتقاماً من المعارضة، بل انتصارٌ للدولة. فالدولة التي تتسامح مع انفلات اللسان، ستجد نفسها عاجزة عن ضبط انفلات السلوك. وهيبة المؤسسات لا تُصان بالشعارات، وإنما بسيادة القانون على الجميع، دون استثناء أو انتقائية.
وقد صدق الحكيم حين قال:
إذا ساء فعلُ المرءِ ساءت ظنونُهُ
وصدَّق ما يعتادُهُ من توهُّمِ.
إن الأوطان لا تُدار بالأصوات المرتفعة، بل بالعقول المرتفعة. ولا تُبنى بالمنابر الملتهبة، بل بالضمائر الحية. أما السياسة التي تُفلس من الفكرة، فتستثمر في الإهانة، ومصيرها أن تخسر احترام الناس، حتى وإن ربحت عناوين الأخبار.
فليكن الاختلاف كما أراده الدستور: حراً، ومسؤولاً، ونبيلاً. وليبقَ القانون هو الكلمة الأخيرة، لأنه وحده القادر على حماية حق المعارض في أن ينتقد، وحق الدولة في أن تُحترم، وحق المجتمع في أن يسمع خطاب
يليق بوطن يسعى إلى التقدم، لا إلى الانحدار
.gif)


