شخصيات في عبق التاريخ.../ عبدات ولد سيدي الشيخ | البشام الإخباري

  

   

شخصيات في عبق التاريخ.../ عبدات ولد سيدي الشيخ

عبدات ولد سيد شيخ

البشام الإخباري /عبدات ولد الشيخ سيدي المختار بن محمد عبد الرحمن (لمهابه ) بن محمد أحمد بن سيدي الشيخ بن عثمان بن الطالب محمذ، أحد أعلام التربية والتعليم الأهلي في موريتانيا، وصاحب رسالة علمية امتدت لأكثر من أربعة عقود، خرج خلالها أجيالًا من أبناء الوطن، وظل اسمه مقترنًا بالعلم، والجد، والإخلاص.

وُلد سنة 1936م في موضع يعرف بـالمنجانة البيضاء على (أُودَيْ الزَّمْتْ)، بمنطقة آفطوط شرق مقطع لحجار، في خيمة من وبر الضأن، كما كانت عادة أهل البادية آنذاك. وهناك، في تلك البيئة التي لم تكن تعرف المدارس النظامية، بدأت رحلته الأولى مع العلم.
تلقى علومه الأولى في المحاظر، إذ درس على محمد عمر، والطيب أولاد بلال، ثم واصل تحصيله في محظرة أواه ولد الطالب إبراهيم من قبيلة تاگاط، التي كانت من أشهر محاظر المنطقة، يؤمها مئات الطلاب، وتقوم على نظام علمي واجتماعي متكامل، حيث كانت تخصص مئات رؤوس الأبقار لإعاشة الطلاب الفقراء.

ولما شعر أن الوقت قد حان للانتقال إلى مرحلة جديدة، شد الرحال سنة 1954م إلى معهد بوتلميت، الذي أسسه الشيخ عبد الله باب الشيخ سيديا، وكان يومها المؤسسة العربية الإسلامية النظامية الوحيدة في البلاد.

وفي هذا الصرح العلمي تلقى علوم العربية والفقه والعقيدة على أيدي نخبة من كبار علماء موريتانيا، من بينهم:
 أحمد ولد مولود ولد دادا
يحيى ولد عدود
محمد عالي ولد عدود
عبد الله ولد عبد الرحمن التنيركي
 وغيرهم من أعلام تلك المرحلة، حتى تخرج سنة 1959م بعد خمس سنوات من الجد والاجتهاد.

غادر بعد ذلك إلى داكار، حيث بدأ رحلة جديدة بحثًا عن الرزق، مستندا إلى مساعدة بعض أبناء وطنه الذين أكرموه، وأتاحوا له العمل في تجارة بسيطة، غير أن الأقدار كانت تدخر له رسالة أكبر من التجارة.

ففي أواخر سنة 1959م، وأثناء مروره بمدينة بوتلميت، استدعاه الشيخ عبد الله ولد الشيخ سيديا، وعرض عليه أن يلتحق بسلك التعليم في حاضرة أوشكش التابعة لامبود. وبعد تردد قبل المهمة، لتبدأ مرحلة جديدة كرّس فيها حياته لتعليم الناس.

باشر التدريس في عدد من القرى، قبل أن يستقر في مقطع لحجار مع مطلع سنة 1964م، ثم نُقل بعد أحداث سنة 1966م إلى فوندا جيري التابعة لبابابي، قبل أن يعود من جديد إلى مقطع لحجار، حيث ارتبط اسمه بأبرز إنجازاته التربوية.

فقد أسس في أوائل السبعينيات مدرسة تاشوط الصفية، المعروفة آنذاك بـ"مدرسة الصفا"، وكانت البداية بسيطة للغاية؛ مجرد مجلس علم تحت ظل شجرة سدر، يجتمع فيه المعلم وتلاميذه، وكانت ثمار النبق التي يقدمها الأطفال لمعلمهم تمثل أحيانًا كل ما يتوافر من وسائل الدعم.

لكن المربي عبدات كان يؤمن أن المؤسسات الكبيرة تبدأ بفكرة صادقة، وأن البناء الحقيقي يبدأ ببناء الإنسان. وبعد عودته من أداء فريضة الحج سنة 1974م أقام عريشًا جديدًا للمدرسة، ثم حصل سنة 1975م على ترخيص لبناء أول فصل بالإسمنت، لتتوسع المدرسة تدريجيًا بجهود الأهالي والمعلمين، عاما بعد عام، حتى أصبحت من أبرز المدارس الأهلية في المنطقة.

وكان من أكثر مواقفه جرأة وتقدما تبنيه تعليم البنات في وقت لم يكن ذلك مألوفًا في كثير من المناطق، اقتداءً بفكر الشيخ عبد الله الشيخ سيديا، الذي كان يرى أن تعليم المرأة ضرورة لبناء المجتمع.

وعلى مدى سنوات عمله، تتلمذ على يديه مئات الطلاب، الذين انتشروا في مختلف ميادين الحياة، وظل يذكر أسماء كثير منهم بكل اعتزاز، وفاء لرحلة تعليمية لم تكن بالنسبة إليه وظيفة، بل رسالة.

كما أدى فريضة الحج، وربطته علاقات وثيقة بعدد من العلماء والوجهاء، وظل حريصا على الاستفادة من تجارب السابقين، مستذكرا لقاءه بالشيخ سيد المختار الشيخ عبد الله، الذي حدثه عن رحلته التاريخية إلى الحج سيرا على الأقدام.

وفي سنة 1999م، وبعد مسيرة تربوية تجاوزت أربعين عامًا، أُحيل إلى التقاعد، لكنه لم يتقاعد من مكانته في قلوب الناس، فقد بقي اسمه حاضرا في ذاكرة كل من عرفه، أو تعلم على يديه، أو شهد إخلاصه في خدمة العلم.

إن سيرة الشيخ عبدات ولد الشيخ سيدي المختار هي قصة جيل آمن بأن نهضة المجتمع تبدأ من الكتاب واللوح، وأن أعظم ما يورثه الإنسان بعد رحيله هو علم نافع، وتلميذ صالح، وأثر باق لا تمحوه السنون.

عبد العزيز ولد احمد (بتصرف)

تصفح أيضا...