أهمية الخطاب الوسطي حول القضايا الخلافية / يعقوب ببكر عاشور | البشام الإخباري

  

   

أهمية الخطاب الوسطي حول القضايا الخلافية / يعقوب ببكر عاشور

أهمية الخطاب الوسطي حول القضايا الخلافية

بسبب مايشهده عالم اليوم من تسارع للاحداث و تشابك للمصالح ، تزداد القضايا الخلافية حضورًا في حياتنا اليومية، سواء كانت دينية أو سياسية أو اجتماعية أو فكرية. ومع اتساع فضاءات التعبير، خصوصًا عبر وسائل التواصل الاجتماعي، أصبح من السهل أن تتحول الاختلافات إلى صراعات حادة، هنا تبرز أهمية الخطاب الوسطي باعتباره منهجًا رشيدًا في الطرح والحوار، يوازن بين الثوابت والمتغيرات، ويجمع بين العقل والعاطفة، ويقدّم المصلحة العامة على الانتصار للرأي.

إن الخطاب الوسطي هو خطاب قائم على الاعتدال والإنصاف، يبتعد عن الغلو والتطرف من جهة، وعن التفريط والتمييع من جهة أخرى، وهو لا يعني التنازل عن المبادئ، بل يعني عرضها بحكمة، واحترام للرأي الآخر، والاعتراف بحقه في الاختلاف. فالوسطية ليست موقفًا ضعيفًا، بل هي قوة نابعة من الثقة بالذات والقدرة على الحوار.

و إن من أهم آثار الخطاب الوسطي أنه يرسّخ ثقافة الحوار بدل الصدام. فالقضايا الخلافية بطبيعتها تحتمل أكثر من وجهة نظر، ولا يمكن حسمها بالصوت المرتفع أو بالإقصاء. وعندما يسود خطاب متوازن، يفتح المجال للنقاش الهادئ، ويقلّل من حدة الاستقطاب، ويعزز روح التعايش داخل المجتمع. وهذا بدوره يساهم في بناء مجتمع متماسك قادر على إدارة اختلافاته بشكل حضاري .

و بما ان التطرف غالبًا ما ينمو في بيئات يسودها خطاب متشنج يقوم على التخوين أو التكفير أو الإقصاء فإن الخطاب الوسطي يعمل على تحصين المجتمع من هذه الآفات، لأنه يرفض الأحكام المطلقة، ويدعو إلى الفهم العميق للواقع، وإلى مراعاة المقاصد والمآلات. كما أنه يذكّر بأن الاختلاف سنة كونية، وأن التنوع مصدر غنى لا سبب فرقة.

و بما انه لا يمكن لمجتمع يعيش حالة انقسام دائم أن يحقق تنمية حقيقية. فالخطاب الوسطي يهيئ بيئة مستقرة قائمة على الاحترام المتبادل والثقة، ما ينعكس إيجابًا على العمل المشترك وصناعة القرار. فعندما تُدار القضايا الخلافية بعقلانية، تتحول من عوامل توتر إلى فرص للإصلاح والتطوير. إن

المسؤولية في ترسيخ الخطاب الوسطي لا تقع على عاتق فئة واحدة، بل هي مسؤولية مشتركة. فالمثقفون والدعاة والإعلاميون مطالبون باعتماد لغة متزنة بعيدة عن الإثارة والتحريض، كما أن المؤسسات التعليمية مطالبة بغرس قيم التفكير النقدي وقبول الآخر في نفوس الناشئة. كما يتحمل الأفراد مسؤولية التحقق من المعلومات قبل نشرها، وتجنب الانجرار وراء الخطابات المتطرفة.

إن الخطاب الوسطي ليس خيارًا ثانويًا، بل ضرورة ملحّة في زمن تتزايد فيه التحديات والانقسامات. فهو السبيل إلى إدارة الخلاف بروح إيجابية، وبناء جسور الثقة بين مكونات المجتمع. ومن خلال ترسيخ قيم الاعتدال والإنصاف والحوار، يمكننا تحويل القضايا الخلافية من مصدر صراع إلى مساحة للتفاهم والتكامل، وبذلك نضع أساسًا متينًا لمجتمع أكثر وعيًا واستقرارًا.

يعقوب ببكر عاشور