
كتب المستشار المكلف بالإتصال بمركز الاستطباب الوطني لكبيد بابيه
بخصوص استقالة الدكتور عبد الله محمد آبه /
حين يستيقظ الضمير بعد ستة عشر عاماً: ما حقيقة استقالة الدكتور عبد الله آبه من مصلحة المستعجلات الجراحية بالمستشفى الوطني؟
أثارت الاستقالة التي أعلن عنها الدكتور عبد الله آبه يوم 29 أكتوبر، وما رافقها من تبريرات وإشارات إلى أوضاع مصلحة المستعجلات الجراحية بالمستشفى الوطني، تساؤلات حول خلفيات هذه الخطوة وتوقيتها، خاصة أن المعني بالأمر قضى نحو ستة عشر عاماً في هذه المصلحة، وتعامل طوال تلك الفترة مع مختلف التحديات والإشكالات التي تعرفها أقسام الاستعجالات.
فإذا كان الأمر يتعلق بضمير مهني استيقظ فجأة، فمن المشروع أن نتساءل: لماذا لم يستيقظ هذا الضمير طوال السنوات الست عشرة الماضية؟ ولماذا اختار هذا التوقيت بالذات لإعلان موقفه؟
منذ تولي الدكتور العقيد شريف جدو ميني إدارة المستشفى الوطني، كانت علاقته بالدكتور عبد الله آبه علاقة زمالة مهنية، بحكم اشتغالهما في مجال الجراحة ومعرفة كل منهما بالآخر. وقد حرص المدير العام، رغم ما كان يعرفه من ملاحظات تتعلق بالحضور والمداومة الليلية وطريقة تسيير المصلحة، على التعامل معه بروح الزمالة والتسامح، وتجنب تحويل تلك الملاحظات إلى خلافات شخصية أو إدارية.
لكن الوقائع التي سبقت الاستقالة مباشرة تطرح رواية أخرى تستحق أن يعرفها الرأي العام.
الواقعة التي سبقت الاستقالة
تتعلق القضية بمريض يعاني من سرطان القولون، وهو أخ لضابط برتبة عقيد، وكانت حالته تستدعي تدخلاً جراحياً معقداً. وقد أوصى بأن يتولى المدير العام بنفسه إجراء هذه العملية، نظراً لطبيعتها وخبرته في الجراحة، وتم حجز المريض يوم الاثنين وبرمجته في المركب الجراحي المركزي.
غير أن ارتباطات المدير العام بالامتحانات والالتزامات الجامعية أدت إلى تأجيل العملية إلى يوم الأربعاء.
وفي ذلك اليوم، جرى توجيه المريض إلى المركب الجراحي المخصص للمستعجلات، حيث اعترض الدكتور عبد الله آبه على استقبال الحالة وإجراء العملية، مستنداً إلى أن المريض غير مبرمج في ذلك المركب.
وعلى إثر ذلك، حضر المدير العام وطلب منه السماح بإدخال المريض وإجراء العملية، قائلاً له بوضوح: «عبد الله، احترم نفسك، ودع المريض يدخل».
وبالفعل، أُجريت العملية الجراحية المعقدة، وكانت نتائجها مطمئنة، والمريض في وضع صحي جيد بعد التدخل.
هذه الواقعة، وفق التسلسل الذي تعرضه إدارة المستشفى، كانت نقطة التحول التي أعقبتها الاستقالة المعلنة يوم 29 أكتوبر، والتي ربطها صاحبها بمبررات تتعلق بظروف العمل والتسيير.
المسألة أعمق من استقالة مسؤول
إن الإشكال الحقيقي لا يكمن في حق أي طبيب أو مسؤول في تقديم استقالته، فهذا حق مهني وإداري لا جدال فيه، وإنما يكمن في ضرورة التمييز بين المواقف الشخصية والمصلحة العامة للمؤسسة الصحية.
فالمركب الجراحي المخصص للمستعجلات ليس ملكاً لمسؤول أو طبيب بعينه، وإنما هو مرفق عمومي أُنشئ لخدمة المرضى والتكفل بالحالات الجراحية المستعجلة، ويجب أن يكون متاحاً لجميع الجراحين وفق تنظيم واضح ومعايير طبية وإدارية موحدة.
ومن بين الإشكالات التي ظلت مطروحة، بحسب المعطيات المعروضة، أن عدداً من زملاء الدكتور عبد الله آبه لم تكن تتاح لهم إمكانية إجراء عملياتهم الجراحية في هذا المركب، وهو ما جعل الاستفادة منه مرتبطة بممارسات تنظيمية تحتاج إلى مراجعة وتصحيح.
وعقب الاستقالة، اتخذ المدير العام قراراً بإعادة تنظيم العمل داخل المركب الجراحي للمستعجلات، من خلال تكليف الأستاذ الجامعي عثمان امحيحم بالإشراف عليه، وإقرار مبدأ فتح المجال أمام جميع الزملاء والجراحين لإجراء العمليات المستعجلة، دون إقصاء أو احتكار، وفق الاختصاصات والضوابط الطبية والتنظيمية.
وهذا هو جوهر الإصلاح المطلوب: أن تكون المصلحة فوق الأشخاص، وأن تكون الأولوية للمريض، وأن تظل المرافق الصحية العمومية فضاءً للعمل الجماعي والتكامل بين مختلف الاختصاصات.
إن المستشفى الوطني، باعتباره أكبر مؤسسة استشفائية مرجعية في البلاد، لا يمكن أن تُدار مصالحه بمنطق الأشخاص أو العلاقات الخاصة، ولا يجوز أن تتحول المسؤوليات الإدارية إلى امتيازات شخصية أو أن تصبح بعض المرافق حكراً على فئة دون أخرى.
إن المرحلة الحالية تتطلب ترسيخ ثقافة المسؤولية والمحاسبة والعمل الجماعي، واحترام التسلسل الإداري، وضمان حق كل جراح في ممارسة مهامه وفق القواعد المعمول بها، مع وضع مصلحة المريض فوق كل اعتبار.
وفي النهاية، فإن السؤال الذي ينبغي أن يظل مطروحاً ليس من استقال ومن بقي، وإنما: هل أصبح المريض اليوم أكثر استفادة من المركب الجراحي؟ وهل أصبحت الفرصة متاحة لجميع الجراحين؟ وهل تم وضع حد لأي ممارسة قد تعرقل العمل الجماعي؟
فالضمير المهني الحقيقي لا يستيقظ في يوم واحد، ولا يرتبط بخلاف عابر، وإنما يتجسد يومياً في خدمة المريض، واحترام المؤسسة، وتحمل المسؤولية، والعمل من أجل المصلحة العامة.
.gif)


