حين تتحول الحرائق إلى شماعة سياسية: كفى عبثًا بمسؤولية الدولة! | البشام الإخباري

  

   

حين تتحول الحرائق إلى شماعة سياسية: كفى عبثًا بمسؤولية الدولة!

بده ولد امخيتير

البشام  الإخباري/ هناك فرق شاسع بين المساءلة المشروعة التي نطالب بها جميعًا، وبين توزيع الاتهامات السياسية جزافًا بحثًا عن شماعة تعلق عليها كل مشكلة.
والهجوم الذي نشهده على الوزير الأول على خلفية الحرائق التي طالت محطتي تحويل كهربائيتين في نواكشوط يطرح سؤالًا بسيطًا: هل يريد البعض معرفة الحقيقة فعلًا، أم يريد فقط استثمار حادث فني مؤلم لتصفية حسابات سياسية؟
نعم، انقطاع الكهرباء معاناة حقيقية للمواطن، ونعم، من حق المواطنين أن يعرفوا أسباب ما حدث، ومن حقهم أن تتم محاسبة كل من تثبت مسؤوليته.
لكن المحاسبة لا تعني اختراع مسؤولية قبل انتهاء التحقيق.
أولًا: الوزير الأول ليس مهندسًا لمحطات الكهرباء!
من الغريب أن يتعامل البعض مع الوزير الأول وكأنه هو الذي صاغ المواصفات التقنية للمحطة، واختار المحولات والقواطع وأنظمة الحماية، وأشرف على تركيب المعدات، وقام باختبارات التشغيل، ثم ترأس لجنة الاستلام!
هذه ليست طريقة إدارة الدولة ولا طريقة توزيع المسؤوليات في المشاريع العمومية.
محطة كهربائية بجهد 33/15 كيلوفولت ليست مشروعًا سياسيًا يُدار بالشعارات، وإنما منشأة تقنية متخصصة تمر بمراحل دقيقة: دراسة، مواصفات فنية، مناقصة، اختيار متعهد، تنفيذ، مراقبة، اختبارات، تشغيل، صيانة، ثم استقبال وتسلم المنشأة من طرف الجهات المختصة.
والقانون الموريتاني للصفقات العمومية واضح في هذا المجال.
فقانون الصفقات العمومية رقم 2021-024 يميز بين مختلف المتدخلين، ويحدد مفهوم صاحب المشروع، وصاحب المشروع المفوض، وصاحب الإشراف الفني، والمتعهد. كما أن مهام صاحب المشروع تشمل تحديد الشروط الإدارية والتقنية، والموافقة على الدراسات والمشاريع، واختيار المتعهد وإدارة العقد، ثم عمليات الاستلام. (Marchés Publics)
بل إن النصوص التنظيمية المتعلقة بالصفقات العمومية تنص على أن الاستلام المؤقت يتم بواسطة لجنة مخصصة لذلك، وأن فترة الضمان تتيح للجهة المتعاقدة مراقبة متانة الأشغال ومطابقة التجهيزات المسلمة. (ARMP)
إذن السؤال الحقيقي ليس: أين كان الوزير الأول عندما احترقت المحطة؟
السؤال المهني والقانوني هو:

من أعد المواصفات الفنية؟
من صادق عليها؟
من أجرى الدراسات؟
من اختار التجهيزات؟
من نفذ الأشغال؟
من راقب التنفيذ؟
من أجرى اختبارات التشغيل؟
من شكل لجنة الاستلام؟
ماذا قالت محاضر الاستلام؟
ومن كان مسؤولًا عن التشغيل والصيانة بعد دخول المحطة الخدمة؟
هذه هي الأسئلة التي يجب أن يجيب عنها التحقيق.
ثانيًا: لا تخلطوا بين الإنجاز والمسؤولية التقنية
من حق الوزير الأول أن يتحمل مسؤوليته السياسية كرئيس للحكومة، لكن تحويل ذلك إلى تحميله شخصيًا مسؤولية عطل فني في منشأة متخصصة يحتاج إلى دليل، وليس إلى منشورات فيسبوك.
فإذا كان مشروع الكهرباء قد أنجز في إطار سياسة حكومية، فهذا لا يعني أن الوزير الأول هو من وضع كل مواصفة فنية في دفتر الشروط، ولا أنه هو من قام بالاختبارات الكهربائية، ولا أنه هو من وقع محضر الاستلام الفني.
وهذا ليس دفاعًا عن شخص.
هذه هي طبيعة الدولة الحديثة.
الدولة لا تعمل بمنطق: “حدث عطل في منشأة تابعة لقطاع ما، إذن رئيس الحكومة مسؤول شخصيًا عن العطل.”
لو كان الأمر كذلك، لما احتجنا إلى وزارات وقطاعات ومؤسسات وشركات عمومية ومديريات فنية ولجان صفقات ولجان استلام ومكاتب دراسات ومهندسين ومراقبين.
ثالثًا: الحرائق نفسها لا تثبت سببها
المعطى الثابت حتى الآن هو أن حريقين وقعا في محطتي تحويل كهربائيتين، وأنهما تسببا في اضطرابات وانقطاعات واسعة للتيار الكهربائي. وقد أكدت الوكالة الموريتانية للأنباء أن رئيس الجمهورية، بعد معاينته للأضرار، شدد على ضرورة إجراء تحقيق شامل وشفاف لمعرفة الأسباب الحقيقية وتحديد المسؤوليات بناء على نتائج التحقيق. (Ami)
وهنا يجب أن نتوقف.
إذا كانت الدولة نفسها تطلب تحقيقًا فنيًا شاملًا، فكيف يسمح البعض لنفسه بإصدار الحكم قبل انتهاء التحقيق؟
هل كان السبب عيبًا في التصميم؟
أم خللًا في أحد مكونات المحطة؟
أم قصورًا في أنظمة الحماية؟
أم ارتفاعًا غير طبيعي في الأحمال؟
أم خللًا في الصيانة؟
أم خطأ في التشغيل؟
أم عيبًا مصنعيًا؟
أم سببًا آخر؟
كل هذه احتمالات فنية لا يمكن حسمها بمنشور سياسي.
رابعًا: من يريد الحقيقة فليطالب بنشر محاضر الاستلام والتقارير الفنية
إذا كان البعض جادًا في البحث عن المسؤولية، فليطالبوا بنشر الوثائق ذات الصلة، وفق ما تسمح به القوانين:
* دفتر الشروط والمواصفات الفنية؛
* الدراسات الفنية للمحطات؛
* تقارير الاختبارات والتشغيل؛
* محاضر الاستلام؛
* تقارير الصيانة الدورية؛
* شهادات الضمان؛
* تقارير الأعطال السابقة إن وجدت؛
* تقارير الخبرة الفنية المتعلقة بالحريق؛
* وتحديد الجهة المسؤولة عن التشغيل والصيانة.
عندها فقط يمكن أن نتحدث عن مسؤولية حقيقية.
أما أن نأخذ صورة لمحطة محترقة ونضع تحتها اسم الوزير الأول ثم نعلن أنه المسؤول، فذلك ليس تحقيقًا ولا رقابة ولا معارضة.
ذلك اسمه حكم مسبق.
خامسًا: ماذا عن المشاريع العملاقة التي أنجزت؟
ثم هناك سؤال آخر لا يريد بعض المتملقين والحاسدين الإجابة عنه:
هل نقيس أداء المسؤول بحادث واحد فقط، ونلغي سنوات كاملة من العمل والإنجاز؟
الوزير الأول لم يأت إلى موقعه ليشرف بنفسه على كل محول كهربائي وكل مضخة وكل طريق وكل منشأة عمومية.
دوره هو قيادة العمل الحكومي وتنسيق السياسات العامة وتنفيذ برنامج الحكومة، بينما تتوزع المسؤوليات التنفيذية والفنية على القطاعات والمؤسسات المختصة.
ومن الإنصاف أن نقول إن الرجل خاض خلال الفترة الماضية ملفات ومشاريع عملاقة، وأن تقييم المسؤول يجب أن يكون بالحصيلة الكاملة، لا بانتقاء حادث واحد واستعماله لتصفية حساب سياسي.
نختلف معه إن شئنا، وننتقده إن أخطأ، ونطالبه بالمحاسبة إن ثبتت مسؤوليته.
لكن لا نحوله إلى مسؤول فني عن كل عطل يقع في مؤسسة من مؤسسات الدولة.
سادسًا: الدفاع الحقيقي عن الوزير الأول ليس تبرئة مسبقة
ومن باب الإنصاف أيضًا، لا ينبغي أن نقع في الخطأ المعاكس.
نحن لا نقول إن الوزير الأول فوق المساءلة.
ولا نقول إن الحكومة لا تتحمل أي مسؤولية.
ولا نقول إن قطاع الكهرباء لا يجب أن يخضع للمحاسبة.
بل نقول شيئًا أكثر قوة:
إذا أثبت التحقيق وجود تقصير إداري أو فني أو سوء تسيير أو إخلال بواجبات الرقابة، فيجب تحديد المسؤول عنه ومحاسبته، مهما كان موقعه.
أما إذا أثبت التحقيق أن السبب عيب فني أو خلل في المعدات أو التنفيذ أو الصيانة أو التشغيل، فيجب أن تتحمل الجهة المختصة المسؤولية وفق القانون والعقد والضمانات المقررة.
وهنا تحديدًا تظهر أهمية محاضر الاستلام وفترة الضمان؛ فالنصوص المنظمة للصفقات العمومية تجعل مرحلة الاستلام والضمان مرحلة قانونية وفنية لها آثار واضحة على مسؤولية الأطراف. (ARMP)
وأخيرًا: إلى من يحولون كل حادث إلى معركة ضد الرجل

نقول لهم:

اتقوا الله في الحقيقة.
انتقدوا الوزير الأول، فهذا حقكم.
عارضوا الحكومة، فهذا حقكم.
طالبوا بالتحقيق، فهذا حقكم.
طالبوا بالمحاسبة، فهذا حقكم.
لكن لا تنصبوا أنفسكم قضاة ومهندسين وخبراء في آن واحد.
فالوزير الأول يمكن أن يُحاسب سياسيًا على سياسات الحكومة، لكن تحديد المسؤولية الفنية عن احتراق محطة كهربائية يحتاج إلى خبرة فنية ووثائق وتحقيق، لا إلى عدد الإعجابات والتعليقات على مواقع التواصل الاجتماعي.
والذين يريدون إسقاط كل إنجازات الرجل بسبب حادث فني واحد نقول لهم:
إن كنتم تريدون الحقيقة، فطالبوا بالتحقيق.
وإن كنتم تريدون المحاسبة، فانتظروا نتائج التحقيق.
أما إن كنتم تريدون تصفية الحسابات السياسية، فلا تستخدموا معاناة المواطنين وقودًا لمعركتكم.
لقد قال رئيس الجمهورية بوضوح إن الأولوية هي إعادة الكهرباء للمواطنين، ثم معرفة الأسباب الحقيقية للحوادث وتحديد المسؤوليات بناء على تحقيق شامل وشفاف. (Ami)
وهذا هو الموقف الذي يجب أن يتبناه كل عاقل: لا تبرئة مسبقة، ولا إدانة مسبقة؛ بل تحقيق، ثم حقيقة، ثم مسؤولية، ثم محاسبة.
أما الوزير الأول، فمن حقه أن يُقيّم على حصيلة عمله كاملة، لا أن يُحاكم على حريق لم يثبت بعدُ سببه ولا الجهة المسؤولة عنه.
موريتانيا تحتاج اليوم إلى الحقيقة، لا إلى المتاجرة بالحريق.

بد امخيتير
25/08/2026

تصفح أيضا...