ليس كل ما يُثير الجدل خطأ… فبعض المواقف لا يصنعها إلا الإيمان العميق بالفكرة | البشام الإخباري

  

   

ليس كل ما يُثير الجدل خطأ… فبعض المواقف لا يصنعها إلا الإيمان العميق بالفكرة

 البشام الإخباري / في عالم السياسة، هناك من يتحدث بما تُمليه استطلاعات المزاج، وهناك من يتحدث بما تُمليه القناعة. الأول يحرص على ألا يخسر التصفيق، والثاني يحرص على ألا يخون نفسه. وبين الصنفين مسافة تُقاس بالصدق قبل أن تُقاس بالشجاعة.
ومن هذا الباب ينبغي أن يُقرأ ما صدر عن رئيس جهة لبراكنة. فما قاله لم يكن زلة لسان، ولا عبارة مرتجلة فرضتها حرارة المناسبة، ولا محاولة لاسترضاء أحد. لقد كان موقفًا سياسيًا واعيًا، نابعًا من قناعة تكوّنت لديه عبر قراءةٍ لمسار البلاد، ورؤيةٍ لما يعتبره مصلحةً للوطن.
إن أخطر ما يمكن أن يصيب الحياة السياسية ليس اختلاف الآراء، وإنما خوف السياسيين من إعلانها. فعندما يصبح المسؤول أسيرًا لردود الفعل، ويزن كل كلمة بميزان الإعجاب أو الهجوم، تموت السياسة وتولد المسايرة. أما الذين يمتلكون الجرأة على إعلان قناعاتهم، فهم الذين يمنحون النقاش العام حيويته، حتى وإن اختلف الناس معهم.
لقد آمن رئيس جهة لبراكنة، وفق تقديره السياسي، بأن التجربة التي يقودها فخامة رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني تستحق الاستمرار. هذه ليست حقيقة مُلزمة للناس، وليست قرارًا يُفرض على أحد، وإنما هي رؤية سياسية أعلنها صاحبها بوضوح، ووقف خلفها دون مواربة. وهنا تكمن قيمة الموقف؛ ليس في أن يتفق معه الجميع، بل في أنه لم يتخلَّ عن قناعته عندما أدرك أنها ستثير الجدل.
ومن العجيب أن بعض من يرفعون راية الديمقراطية لا يقبلون إلا الآراء التي تشبه آراءهم، فإذا خرج صوتٌ يحمل تصورًا مختلفًا، انهالت عليه الاتهامات، وكأن الديمقراطية تعني حرية الرأي بشرط أن يكون الرأي واحدًا.
إن القناعة السياسية ليست جريمة، ولا ينبغي أن تتحول إلى تهمة. فمن حق أي سياسي أن يدعو إلى التغيير إذا رأى فيه خيرًا، ومن حق سياسي آخر أن يدعو إلى الاستمرارية إذا اعتقد أنها تحقق المصلحة العامة، ويبقى الفيصل في النهاية هو ما ينص عليه الدستور وما تقرره المؤسسات المختصة وإرادة الشعب.
لقد كان بإمكان رئيس جهة لبراكنة أن يختار الطريق الأسهل؛ أن يقول كلامًا عامًا لا يغضب أحدًا، وأن يغادر المنصة محاطًا بالمجاملات. لكنه اختار الطريق الأصعب، طريق الوضوح. والوضوح في السياسة مكلف، لأن صاحبه يعلم أنه سيواجه التأويل والانتقاد، ومع ذلك لا يتراجع عما يعتقده.
إن الرجال لا تُعرف قيمتهم عندما يرددون ما يقوله الجميع، وإنما عندما يملكون شجاعة الدفاع عن فكرة يؤمنون بها، مع استعدادهم لتحمل تبعاتها. وهذا ما فعله رئيس جهة لبراكنة؛ فقد عبّر عن موقفه بصراحة، تاركًا للمجتمع حق مناقشته، وللمؤسسات حقها في كل ما يتعلق بالشأن العام.
إننا لا ندافع هنا عن إلزام الناس برأي الرجل، ولا عن مصادرة حق مخالفيه في الاعتراض، بل ندافع عن قيمة أسمى: أن تبقى القناعة محترمة، وأن يبقى الرأي السياسي مشروعًا ما دام يُطرح في إطار الحوار والاحتكام إلى القانون.
فالسياسة التي تخلو من أصحاب القناعات ليست سوى إدارةٍ للخوف، أما السياسة التي يصنعها رجال يؤمنون بما يقولون، فهي وحدها القادرة على إنتاج الأفكار، وإثراء النقاش، وبناء مستقبل يقوم على الاختلاف المسؤول لا على الصمت المريح.
ولعل أعظم ما يُحسب لرئيس جهة لبراكنة أنه لم يجعل حسابات الربح والخسارة هي التي تتحدث، بل جعل قناعته تتحدث. ومن كانت قناعته هي بوصلته، فقد يختلف معه الناس، لكنه لا يفقد احترامهم لأنه اختار الصدق مع نفسه قبل كل شيء

بقلم / بده ولد امخيتير 

تصفح أيضا...