
البشام الإخباري /ليست السياسة في جوهرها منافسةً على الظهور، ولا سباقًا إلى المنصات، ولا فنًّا لإتقان الخطابات، وإنما هي – في معناها الأسمى – القدرة على تحويل الثقة إلى مسؤولية، والانتماء إلى عمل، والعمل إلى أثر يبقى بعد أن ينفض الجمع، وتُطوى صفحات المناسبات.
وفي الدول التي تؤمن بأن الإنسان هو محور التنمية، لا تُنظر إلى الزيارات الرسمية باعتبارها بروتوكولًا عابرًا، وإنما باعتبارها رسائل سياسية واجتماعية تؤكد أن الدولة ليست فكرةً مجردة، بل حضورٌا دائما في حياة المواطنين، واستعدادٌ متواصل للاستماع إليهم، والاقتراب من تطلعاتهم، ومساندة الفئات التي تستحق مزيدًا من التمكين والرعاية.
ومن هذا المنظور، تكتسب زيارة السيدة الأولى مريم بنت الداه إلى مدينة ألاك، لإطلاق برنامج تمكين المرأة على مستوى ولاية لبراكنة، دلالة تتجاوز حدود المناسبة نفسها؛ فهي تعكس اهتمامًا متواصلًا بقضايا المرأة، وإيمانًا بأن بناء المجتمع يبدأ من بناء الإنسان، وأن تمكين المرأة ليس امتيازًا يُمنح، بل استثمار في طاقات الوطن ومستقبله.
ولأن المشاريع الوطنية الكبرى لا تنجح بقرارات الدولة وحدها، وإنما تحتاج إلى وعي المجتمع وتكاتف أبنائه، فإن الجهود التي يبذلها الناشط والفاعل السياسي السيد بد ولد امخيتير على مستوى بلدية الواد لبيظ، التابعة لمقاطعة مال، في التعبئة والمواكبة والمساهمة في إنجاح هذه الزيارة، تمثل نموذجًا لما ينبغي أن يكون عليه العمل السياسي حين يتحرر من الحسابات الضيقة، ويتجه نحو خدمة الصالح العام.
إن قيمة الفاعل السياسي لا تُقاس بعدد المناسبات التي يحضرها، بل بعدد المبادرات التي يشارك في إنجاحها، وبقدر ما يزرعه من ثقة بين المواطن والدولة. فحين يصبح العمل الميداني ثقافة، والتعاون منهجًا، والمسؤولية التزامًا، تتحول السياسة من منافسة على المواقع إلى شراكة في صناعة المستقبل.
لقد اختار السيد بد ولد امخيتير أن يكون حاضرًا في ميدان الفعل، مساهمًا في تعبئة الطاقات المحلية، ومؤمنًا بأن نجاح المبادرات الوطنية هو نجاح للمجتمع بأسره. وهذه الروح هي التي تحتاجها الدول وهي تمضي في مسيرة البناء؛ إذ لا تقوم النهضة على جهود المؤسسات وحدها، بل على تلاقي الإرادة الرسمية مع المبادرات الصادقة في المجتمع.
أما السيدة الأولى، فقد ارتبط حضورها العام في نظر كثير من المتابعين بالمبادرات ذات البعد الإنساني والاجتماعي، وهو حضور ينسجم مع رؤية تجعل كرامة الإنسان أساسًا لكل سياسة تنموية. فالإنسان هو الغاية والوسيلة، وإذا حُفظت كرامته، واتسعت أمامه فرص التعلم والإنتاج والمشاركة، كان ذلك أعظم استثمار يمكن أن تقوم به أي دولة.
ويأتي هذا كله في سياق الرؤية التي يقودها فخامة رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني، والتي جعلت من الاستقرار، وتعزيز السلم الاجتماعي، وتوسيع البرامج التنموية، والاهتمام بالفئات المختلفة، مرتكزات للعمل العام، وهي رؤية تعمل الحكومة على ترجمتها إلى سياسات ومشروعات في مختلف ولايات الوطن.
إن الأوطان لا تُبنى بالصوت الأعلى، وإنما بالجهد الأصدق. ولا يخلد في ذاكرة الناس من أحسن الحديث، بل من أحسن العمل. ولذلك فإن كل من يسهم في إنجاح المبادرات الوطنية، ويجعل من موقعه منبرًا لخدمة المجتمع، إنما يضيف لبنة جديدة في صرح الدولة، ويؤكد أن السياسة، حين تسمو عن المصالح الضيقة، تصبح رسالة أخلاقية قبل أن تكون ممارسة تنظيمية.
وإذا كانت المناسبات الوطنية تنتهي بانتهاء أيامها، فإن آثارها تبقى حين تتحول إلى مشاريع تفتح أبواب الأمل، وتعزز مكانة الإنسان، وتؤكد أن الوطن لا يتقدم بخطاب واحد أو بجهد فرد، بل بتكامل القيادة الرشيدة، والمؤسسات الفاعلة، والمواطنين الذين يدركون أن خدمة الوطن شرف لا تحده مناسبة، ولا يختزل في شعار.
وهكذا، فإن كل يد تمتد لتيسير الخير، وكل جهد يهدف إلى إنجاح عمل يخدم المجتمع، إنما يكتب سطرًا جديدًا في قصة وطن يؤمن بأن التنمية الحقيقية تبدأ من الإنسان، وتنتهي إليه
بقلم / الشيخ الحضرامي ولد محمدو
.gif)


