
البشام الإخباري /إن من أهمّ مقومات نجاح الدول الحديثة، وبلوغها درجات متقدمة في التنمية والتحضر، امتلاكها لإدارة عمومية قوية وفعّالة، تقوم على الكفاءة لا على العشوائية، وعلى حسن استثمار الموارد البشرية لا على إهدارها أو تهميشها.
ومن هنا، تبرز الحاجة الملحّة إلى أن تكون لكل وزارة، ولكل قطاع من قطاعات الدولة، آلية دقيقة وشفافة تمكّنها من أخذ صورة حقيقية وشاملة عن كامل أطقمها البشرية، من حيث المؤهلات العلمية، والخبرات المهنية، والقدرات العملية - بل وربما العقلية - ومستويات الأداء والانضباط، وحتى المهارات الشخصية والقيادية.
ففي كثير من الأحيان، لا تكمن أزمة المرافق العمومية في نقص الأفراد بقدر ما تكمن في سوء توظيفهم، وعدم وضع الشخص المناسب في المكان المناسب.
فقد تجد كفاءات عالية محصورة في مواقع هامشية لا تستثمر قدراتها، بينما تُسند مسؤوليات حساسة إلى أشخاص لا يمتلكون ما يكفي من الخبرة أو الكفاءة، فينعكس ذلك سلبا على الأداء العام، وعلى جودة الخدمات المقدمة للمواطنين.
ومن هنا، فإن وجود آلية تقييم حديثة وفعّالة لم يعد ترفا إداريا، بل أصبح ضرورة ملحّة تفرضها طبيعة العصر ومتطلبات التنمية.
وهذه الآلية ينبغي ألا تكون موسمية أو شكلية، بل نظاما مؤسسيا دائما، يعتمد على معايير واضحة وموضوعية، مثل:
● مستوى الكفاءة العلمية والتخصصية.
● جودة الأداء والإنتاجية.
● الانضباط المهني واحترام الوقت.
● القدرة على الابتكار وحل المشكلات.
● مهارات التواصل والعمل الجماعي.
● الاستعداد لتحمّل المسؤولية والتطوير الذاتي.
كما ينبغي أن تُبنى القرارات الإدارية، من تعيين وترقية وتكليف، على نتائج هذه التقييمات الواقعية، لا على العلاقات الشخصية أو الاعتبارات الضيقة، لأن الإدارة التي تُدار بالمجاملات لا يمكن أن تصنع نهضة حقيقية.
إن الكثير من الآليات التقليدية المعمول بها منذ عقود أثبتت محدوديتها، بل وأسهمت أحيانا في تكريس "الجمود الإداري"، وإضعاف روح المبادرة، وإحباط الكفاءات، مما جعل العديد من المرافق العمومية عاجزة عن مواكبة التطورات المتسارعة التي يشهدها العالم في مجالات التسيير والحكامة والخدمات.
ولذلك، فإن الانتقال إلى إدارة عصرية يقتضي تبني ثقافة جديدة، قوامها:
■ ربط المسؤولية بالكفاءة.
■ ربط الترقية بالمردودية.
■ ربط الاستمرار في المناصب بحجم الإنجاز الحقيقي.
■ فتح المجال أمام الكفاءات الشابة وأصحاب المبادرات.
فالإدارة الناجحة ليست تلك التي تكتفي بتسيير اليومي، وإنما التي تمتلك رؤية مستقبلية، وتعرف كيف تستثمر طاقات موظفيها، وتحوّلهم إلى قوة إنتاج وبناء، لا إلى مجرد أرقام في لوائح إدارية.
.gif)


